سيد محمد طنطاوي

40

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

مقهورين لكم . أذلة أمام قوتكم . وما دام الأمر كذلك * ( فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ ) * أي : فلا تجعلوا مكانا لخشية المشركين في قلوبكم فقد ضعفوا واستكانوا ، بل اجعلوا خشيتكم وخوفكم وهيبتكم من اللَّه وحده الذي جعل لكم الغلبة والنصر عليهم . ثم عقب ذلك - سبحانه - ببيان أكبر نعمه وأعظم مننه على هذه الأمة الإسلامية فقال : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) * . أي اليوم أكملت لكم حدودي وفرائضي وحلالي وحرامى ، ونصرى لكم على أعدائكم وتمكينى إياكم من أداء فريضة الحج دون أن يشارككم في الطواف بالبيت أحد من المشركين . وأتممت عليكم نعمتي ، بأن أزلت دولة الشرك من مكة ، وجعلت كلمتكم هي العليا وكلمة أعدائكم هي السفلى ، ورضيت لكم الإسلام دينا ، بأن اخترته لكم من بين الأديان . وجعلته الدين المقبول عندي ، فيجب عليكم الالتزام بأحكامه وآدابه وأوامره ونواهيه قال - تعالى - : ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ وليس المراد بإكمال الدين أنه كان ناقصا قبل اليوم ثم أكمله ، وإنما المراد أن من أحكامه قبل اليوم ما كان مؤقتا في علم اللَّه قابلا للنسخ . ولكنها اليوم كملت وصارت مؤبدة وصالحة لكل زمان ومكان ، وغير قابلة للنسخ ، وقد بسط هذا المعنى كثير من المفسرين فقال الإمام الرازي : قال القفال : إن الدين ما كان ناقصا البتة بل كان أبدا كاملا . يعنى : كانت الشرائع النازلة من عند اللَّه في كل وقت كافية في ذلك الوقت إلا أنه - تعالى - كان عالما في أول وقت المبعث بأن ما هو كامل في هذا اليوم ليس بكامل في الغد ولا صلاح فيه . فلا جرم كان ينسخ بعد الثبوت . وكان يزيد بعد العدم . وأما في آخر زمان المبعث فأنزل اللَّه شريعة كاملة وحكم ببقائها إلى يوم القيامة . فالشرع أبدا كان كاملا . إلا أن الأول كمال إلى زمان مخصوص . والثاني كمال إلى يوم القيامة . فالأجل هذا قال : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * « 1 » . وقال القرطبي ما ملخصه : لعل قائلا يقول : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * يدل على أن الدين كان غير كامل في وقت من الأوقات . وذلك يوجب أن يكون جميع من مات من المهاجرين والأنصار . قبل نزول هذه الآية - ماتوا على دين ناقص . ومعلوم أن النقص عيب ؟ فالجواب أن يقال له : لم قلت إن كل نقص فهو عيب وما دليلك عليه ؟ ثم يقال له : أرأيت نقصان الشهر هل يكون عيبا ، ونقصان صلاة المسافر أهو عيب لها . . ؟ لا شك أن هذا النقصان ليس بعيب .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 11 ص 138 .